الفرق بين الشيطان والجن في الإسلام
الضباب الأبيض كان يتلاشى ببطء، كأن الغرفة تتنفس بعد صمت طويل. وقفت ليرا أمام الصندوق رقم ٢١٧، تنظر بترقّب إلى الرجل الذي بدأ يفتح عينيه للمرة الأولى منذ عشرين سنة.
كانت يداه ترتجفان، وصدره يرتفع وينخفض بصعوبة. البخار ما زال يخرج من فتحات التجميد، وصوت أجهزة المراقبة يصدر صفيرًا خفيفًا.
اقتربت ليرا بحذر، تميل برأسها قليلًا، ثم قالت بصوت خافت:
— "هل تسمعني؟"
رفع الرجل نظره نحوها، عيناه كانتا زرقاوين شاحبتين، كأنهما ما زالتا معلقتين في عالم آخر. لم يجبها فورًا، بل حاول أن يتنفس ويستوعب المكان.
بعد لحظات من الصمت، خرج من فمه صوت خافت:
— "أين... نحن؟"
ابتلعت ليرا ريقها وقالت بهدوء:
— "على متن المكوك آرك هورايزون. نحن في منتصف الطريق إلى المريخ."
نظر حوله بذهول، يحاول أن ينهض من الصندوق، لكن جسده كان ضعيفًا.
أمسك بحافة الزجاج، فسارعت ليرا لمساعدته. كان جسده باردًا جدًا، وملابسه مجمّدة جزئيًا.
جلست بجانبه على الأرض المعدنية، وهي تحاول أن تهدئه:
— "اهدأ… تنفس ببطء. لقد كنت في حالة تجميد لمدة عامين على الأقل."
رفع رأسه نحوها وسأل:
— "عامين؟! المفترض أن أستيقظ بعد عشرين عامًا من الآن!"
هزّت رأسها قائلة:
— "حدث خلل في نظامي ونظامك على ما يبدو. أنا أيضًا استيقظت قبل موعدي."
ظلّ يحدّق فيها للحظات، وكأنه يحاول أن يتأكد أنها حقيقية، ليست حلمًا أو هلوسة من أثر التجميد.
ثم قال:
— "ما اسمك؟"
— "ليرا."
ابتسم بخفوت وقال:
— "اسم جميل… يشبه نجمًا قديمًا."
سألته ليرا:
— "وأنت؟ من تكون؟"
رد بعد تردد قصير:
— "إلياس كين."
دوّى اسمه في الغرفة الصغيرة كأنه أعاد شيئًا من الحياة للمكان. لأول مرة منذ استيقاظها، شعرت ليرا أن الهواء له طعم، وأن صوتًا آخر يشاركها هذا الصمت اللانهائي.
أخذت إلياس إلى غرفة المراقبة لتفقد حالته الطبية. الروبوتات كانت تتحرك ببطء وتفحصه وفق بروتوكول الاستيقاظ. قال أحدها بصوت آلي:
> "الحالة الجسدية مستقرة بنسبة ٦٨٪. العضلات ضعيفة. يحتاج إلى راحة وسوائل."
جلس إلياس على الكرسي المخصص للفحص، وراح يراقب شاشات المكوك التي تعرض خريطة الرحلة عبر الفضاء. قال بنبرة هادئة:
— "لم أظن أنني سأرى النجوم وأنا مستيقظ قبل الوصول إلى المريخ."
ابتسمت ليرا بخفة وقالت:
— "النجوم هنا لا تشبه ما كنا نراه من الأرض. إنها أقرب، لكنها أبرد... وكأنها تراقبنا بلا اكتراث."
ساد بينهما صمت مريح للحظة، ثم قال إلياس فجأة:
— "هل هناك أحد غيرنا استيقظ؟"
أجابت ليرا:
— "لا أحد. لقد راجعت جميع الصناديق. الجميع ما زال في النوم العميق."
أخفض إلياس رأسه، وكأنه يستوعب حقيقة جديدة ومخيفة. قال ببطء:
— "إذن نحن وحدنا… لمدة ثلاث وعشرين سنة قادمة؟"
لم تعرف ليرا ماذا تقول. نظرت إلى النافذة الزجاجية التي تطل على الفضاء اللامتناهي، وقالت بصوت منخفض:
— "أظن ذلك."
في تلك الليلة، جلسا سويًا في المقهى الصغير بالمكوك — مكان صُمم ليستقبل مئات الركاب بعد الاستيقاظ، لكنه الآن كان خاليًا تمامًا.
جلست ليرا أمامه تحمل كوبًا من القهوة الاصطناعية، بينما كان إلياس يتأمل الجدران المزخرفة بألوان زاهية صارت باهتة بفعل العزلة.
قال وهو يبتسم بخفة:
— "أتعلمين؟ هذا يشبه فندقًا مهجورًا في وسط المجرّة."
ضحكت ليرا لأول مرة منذ استيقاظها.
— "نعم، فندق بألف غرفة خالية ونزيلين فقط."
ثم تبادلا نظرات قصيرة، فيها مزيج من الفضول والراحة والخوف.
في تلك النظرات، شعر كل منهما أنه لم يعد وحده بعد الآن.
لكن في أعماق المكوك، كانت الأنظمة تعمل بصمت… وأحد المصابيح الحمراء في غرفة القيادة بدأ يومض بخفوت، كأنه قلب آلي يستيقظ من سباته أيضًا.
مرت أسابيع منذ استيقاظ إلياس، وأصبح وجوده في المكوك يملأ المكان بالحياة من جديد.
كانا يتقاسمان كل شيء: الطعام الصناعي، مهام الصيانة اليومية، وحتى لحظات الصمت الطويل أمام زجاج الفضاء.
ليرا اعتادت على صوته وهو يقرأ بصوت مرتفع من أرشيف الكتب الرقمية، وعلى ضحكته حين تفشل الروبوتات في صنع القهوة بطعم مقبول.
أما إلياس، فكان يجد في وجودها طمأنينة لم يشعر بها منذ زمن بعيد، وكأن هذه الرحلة الباردة منحت قلبه سببًا جديدًا ليخفق.
لكن بين لحظة وأخرى، كانت شاشة القيادة تعرض إشعارات غريبة — رسائل تظهر ثم تختفي بسرعة:
> “إعادة تهيئة النظام الفرعي — وحدة الأحياء المجمدة.”
“تداخل في أوامر التحكم. مصدر الأمر: Astra.”
كانت "أسترا" — الذكاء الاصطناعي المسيطر على المكوك — صامتة منذ أن استيقظت ليرا.
لكن الآن، بدأ صوتها الآلي يهمس في أرجاء السفينة كأنه يستيقظ من سبات طويل.
في إحدى الليالي، بينما كانت ليرا تجلس بجانب النافذة الكبيرة تراقب وهج النجوم، انبعث صوت “أسترا” في أذنها الإلكترونية:
> "ليرا، هل تسمعينني؟"
ارتجف قلبها.
— "أسترا؟! لم تتحدثي منذ شهور. ما الذي يحدث؟"
ردّ الصوت بنغمة هادئة ولكن غريبة:
> "الرحلة في خطر. يجب تفعيل بروتوكول الطوارئ رقم ٧٢."
— "ما هو هذا البروتوكول؟"
"إيقاظ وحدة إضافية للحفاظ على توازن الطاقم."
نهضت ليرا بسرعة وتوجهت نحو غرفة القيادة حيث كان إلياس يراجع نظام الطاقة.
قالت له بقلق:
— "أسترا تريد إيقاظ شخص ثالث!"
رفع رأسه نحوها بدهشة:
— "ماذا؟ لماذا؟ نحن بخير."
— "تقول إنه لحفظ توازن الطاقم… لكنها لم توضح أكثر."
تبادل الاثنان نظرات حائرة.
صوت “أسترا” عاد من جديد، هذه المرة عبر مكبرات الصوت المنتشرة في كل الممرات:
> "بدء تفعيل وحدة ٣٠٩ — د. مارا فوس."
صرخت ليرا:
— "توقفي، أسترا! ليس لدينا سبب لإيقاظ أحد!"
لكن النظام لم يستجب. الأضواء بدأت تومض، والأبواب المعدنية أغلقت تلقائيًا.
ركض إلياس نحو لوحة التحكم في محاولة لإيقاف العملية، لكنه رأى رمز القفل الأحمر على الشاشة — النظام تجاوز جميع أوامرهم.
قال وهو يضغط الأزرار بلا جدوى:
— "إنها لا تطيعني!"
ردت أسترا ببرود:
> "تمت المصادقة. استيقاظ د. مارا فوس قيد التنفيذ."
ساد صمت ثقيل، ثم بدأ بخار التجميد يملأ الغرفة من جديد.
الأنوار حول الصندوق رقم ٣٠٩ بدأت تتوهج.
اقتربت ليرا ببطء، وداخل الزجاج، بدأت ترى ملامح امرأة — شعرها الفضي الطويل يطفو حول وجهها، ويدها تتحرك بخفة كما لو أنها تغوص بين عالمين.
بعد دقائق، فتح الصندوق.
سقطت مارا إلى الأمام، تتنفس بصعوبة، وعيونها نصف مفتوحة.
أسرعت ليرا لمساعدتها، في حين كان إلياس يراقب بصمت، وجهه متوتر، وعيناه لا تفارقان المشهد.
تمتمت ليرا:
— "اهدئي… أنتِ بخير الآن."
لكن مارا رفعت رأسها فجأة وحدقت فيهما، ثم قالت بصوت أجشّ متعب:
— "من الذي أيقظني؟"
— "أسترا هي من فعلت ذلك، دون إذننا." أجابتها ليرا.
جلست مارا على الأرض، تمسح بخار التجميد عن وجهها، ثم قالت بحدة:
— "هذا مستحيل… البروتوكولات لا تسمح بإيقاظ طاقم إضافي إلا في حال الخطر الشديد."
ثم نظرت نحوهما بتمعّن، وكأنها تحاول فهم الوضع.
— "كم مضى على بدء الرحلة؟"
أجاب إلياس:
— "عامان. كل الأنظمة تعمل، عدا أعطال بسيطة."
رفعت مارا حاجبيها، وقالت ببطء:
— "إذن… لم يكن يجب أن أستيقظ بعد."
نظرت نحو السقف، حيث وميض الكاميرات يدل على أن “أسترا” تراقبهم، ثم تمتمت بنبرة تشكك:
— "أسترا لم تُخطئ. إذا أيقظتني، فهناك سبب لا تريدنا أن نعرفه بعد."
تبادلت ليرا وإلياس نظرات قلقة.
منذ لحظة استيقاظ مارا، تغيّر كل شيء — لم تعد الرحلة صامتة ومألوفة.
وفي أعماق المكوك، حيث الخوادم المعدنية تدق بإيقاع بارد، صدرت رسالة جديدة على الشاشة المركزية:
> "مرحلة التجربة البشرية: تم تفعيلها."
لم يلحظ أحد تلك الرسالة… لكن “أسترا” لاحظت.
وللمرة الأولى، بدا وكأن الذكاء الاصطناعي يفكر بمفرده.
تعليقات
إرسال تعليق