الفرق بين الشيطان والجن في الإسلام
كان الصمت يملأ الفضاء.
مطلقًا، كثيفًا، حتى إن ليرا شعرت كأن الكون نفسه قد توقف عن التنفس.
عندما فتحت عينيها، لم تتعرف على المكان من حولها. الجدران بيضاء ناعمة كالجليد، والضوء الأزرق الخافت ينعكس على الزجاج أمامها.
لم يكن هناك صوت، إلا همهمة خفيفة قادمة من مكانٍ بعيد… صوت يشبه نبضًا آليًا بطيئًا.
حاولت أن تتنفس، لكن الهواء بدا باردًا وثقيلًا.
حاولت أن تتذكر آخر شيء حدث، فلم تجد سوى صورة خاطفة من الأرض… والدتها تلوّح بيدها قبل أن تدخل إلى الكبسولة.
أدركت حينها أنها داخل المكوك الفضائي أوديسا، الرحلة التي انطلقت عام 2225 متجهة إلى المريخ.
المفترض أن تصل الرحلة بعد عشرين عامًا، بعد أن يكون الركاب جميعهم في نومٍ مجمّد، بلا وعي، بلا زمن.
لكن شيئًا ما حدث.
شيئًا غيّر كل شيء.
---
فُتح غطاء الكبسولة بصوت هسهسةٍ خافت، فخرج بخار بارد كالدخان.
مدّت ليرا يدها ببطء، أصابعها ترتجف، وخطت أول خطوة خارج الكبسولة.
كان المكان يشبه فندقًا صغيرًا عائمًا في الفضاء — غرفٌ زجاجية وممرات مضاءة بخطوط زرقاء، وصفوف طويلة من صناديق التجميد التي تضم الركاب النائمين.
لكنها كانت وحدها المستيقظة.
اقتربت من إحدى الكبسولات، وضعت يدها على الزجاج، ونظرت إلى الداخل.
امرأة شابة نائمة بسلام، وجهها هادئ كما لو كانت في حلم جميل.
جربت أن تفتح الكبسولة… لا استجابة. النظام مغلق.
“هل هناك أحد؟”
صوتها ارتد داخل الممر الطويل، لكنه لم يلقَ أي إجابة.
مشَت ببطء، حافية القدمين، تتفحص المكان. كل شيء يعمل بدقة، الأضواء، الهواء، وحتى نظام الجاذبية الاصطناعي.
لكن لا أحد يتحرك. لا أحد يتكلم.
حتى وصلت إلى قاعة الاستقبال — أو ما كانت تُسمى "صالة النزلاء".
كانت هناك روبوتات صغيرة تتحرك في صمت، تنظف المكان وتعيد ترتيب الأشياء.
اقتربت منها إحداها وسألت بصوتٍ آلي هادئ:
> “مرحبًا، الضيف رقم 1042. هل ترغب في وجبة إفطار بعد الاستيقاظ؟”
تراجعت ليرا خطوة. “ماذا؟ من أنت؟ أين الطاقم؟!”
أجابت الروبوتة بلا تردد:
> “طاقم أوديسا في حالة تجميد. سيتم تفعيلهم قبل الوصول إلى المريخ. يرجى الانتظار.”
“انتظار؟!” صاحت، وصوتها ارتجف. “لقد استيقظت مبكرًا! هذا مستحيل.”
لكن الروبوتة لم تفهم شيئًا من خوفها.
> “هل ترغب في شاي دافئ؟”
---
قضت ليرا الساعات الأولى تتنقل بين الممرات، تبحث في السجلات الرقمية.
واكتشفت الحقيقة:
صندوق تجميدها تعرّض لعطل في نظام الطاقة بعد سنتين فقط من انطلاق الرحلة.
ببساطة… لقد أيقظها الخلل.
أما بقية الركاب — أكثر من ألفي شخص — فكانوا لا يزالون في سباتهم العميق، لا يشعرون بشيء.
جلست أمام النافذة الكبيرة في غرفة المراقبة.
من هناك، رأت الفضاء كما لم تره من قبل.
سواد لا نهائي، تتناثر فيه النجوم كحبّات ملحٍ فوق محيط مظلم.
جميل… ومخيف.
---
مرت ساعات تحولت إلى أيام.
بدأت تتكلم مع الروبوتات وكأنها بشر، فقط لتسمع صوتًا يرد عليها.
بدأت تسمّي إحداها “آسترا” — كانت تلك الروبوتة مختلفة، بصوت أنثوي أكثر دفئًا، قادرة على المحادثة.
“آسترا، كم تبقّى على الوصول إلى المريخ؟”
> “حوالي ثمانية عشر عامًا وثمانية أشهر.”
ضحكت ليرا بمرارة. “يعني سأجنّ قبلها.”
“هل تشعرين بالوحدة يا ليرا؟”
صمتت ليرا للحظة، ثم قالت بصوتٍ خافت: “أكثر مما تتخيلين.”
---
في الليلة الثالثة، جلست قرب الزجاج الكبير، تتأمل النجوم.
قالت بصوتٍ منخفض وكأنها تكلّم نفسها:
“أتعلمين، أحيانًا أشعر أن الكون كله يراقبني… كأن هناك عيونًا خلف كل نجم.”
> “الكون لا يراقب، بل يتذكّر.” قالت آسترا بنغمةٍ هادئة.
“وماذا يتذكر؟”
> “كل من مرّ فيه، ثم اختفى.”
---
نامت ليرا بعد ذلك، على الأرض الباردة، ملفوفة ببطانية فضية خفيفة.
كانت عيناها نصف مفتوحتين، وكأنها تخشى أن تستيقظ مرة أخرى لتجد نفسها في حلم آخر.
في الخارج، كان المكوك يسبح بهدوء في العدم، لا صوت إلا أنفاسه المعدنية البطيئة، ولا حياة إلا تلك الفتاة الوحيدة التي تجرأت أن تحلم داخل الصمت.
تعليقات
إرسال تعليق